صديق الحسيني القنوجي البخاري
191
فتح البيان في مقاصد القرآن
والمراجعات لليهود ونحوهم ، فاختلفت ألفاظهم ، واتفقت معانيها ، وقد يزيد بعضهم على بعض بحسب ما يقتضيه الحفظ والضبط ، وذكر ما قاله عيسى وقيل له ، وليس فيها من كلام اللّه سبحانه شيء ولا أنزل على عيسى من عنده كتابا ، بل كان عيسى عليه السلام يحتج عليهم بما في التوراة ويذكر أنه لم يأت بما يخالفها . وهكذا الزبور فإنه من أوله إلى آخره من كلام داود عليه السلام . وكلام اللّه أصدق وكتابه أحقّ ، وقد أخبرنا أن الإنجيل كتابه أنزله على عبده ورسوله عيسى ابن مريم وأن الزبور كتابه آتاه داود وأنزله عليه . انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ أي انتهوا عن التثليث ولا تقولوا الآلهة ثلاثة وانتصاب خيرا هنا فيه الوجوه الثلاثة التي تقدمت في قوله فآمنوا خيرا لكم . إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ لا شريك له ولا صاحبة ولا ولد سُبْحانَهُ أي أسبحه تسبيحا عن أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لأن الولد جزء من الأب ، وهو متعال عن التجزئة وصفات الحدوث ولكن جعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور . لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا ، وما جعلتموه له شريكا أو ولدا هو من جملة ذلك والمملوك المخلوق لا يكون شريكا ولا ولدا وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا مستقلا بتدبير خلقه يكل الخلق أمورهم إليه ، لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا فلا حاجة إلى ولد يعينه ، وقيل شهيدا على ذلك . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 172 إلى 173 ] لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً ( 172 ) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 173 ) لَنْ يَسْتَنْكِفَ أي لا يتكبر ولا يأنف الْمَسِيحُ الذي زعمتم أنه إله عن أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ أصل يستنكف نكف ، وباقي الحروف زائدة ، يقال نكفت من الشيء واستنكف منه وأنكفته أن نزّهته عما يستنكف منه . قال الزجاج : استنكف أي أنف مأخوذ من نكفت الدمع إذا نحيته بإصبعك عن خديك ، وقيل هو من النّكف وهو العيب يقال ما عليه في هذا الأمر نكف ولا وكف أي عيب ، ومعنى الأول لن يأنف عن العبودية ولن يتنزه عنها ، ومعنى الثاني لن يعيب العبودية ولن ينقطع عنها . وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ أي ولن يستنكف حملة العرش وأفاضل الملائكة مثل جبريل وغيره عن أن يكونوا عبادا للّه ، وهذا من أحسن الاستطراد ، ذكر للردّ على من زعم